أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

260

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثالث : أنه بدل من الفعل الأول ، ومعنى كونه بدلا أنه لمّا كان متعلّقه بيانا لمتعلّق الأول حسن أن يقال : بدل منه ، وإلّا فكيف يبدل فعل من فعل موافق له لفظا ومعنى ؟ وهذا في المعنى يؤول إلى وجه التأكيد . والرابع : أنه حال من فاعل « يَحْزَنُونَ » ، ويحزنون عامل فيه أي : ولا هم يحزنون حال كونهم مستبشرين بنعمة . وهو بعيد لوجهين : أحدهما : أنّ الظاهر اختلاف من نفى عنه الحزن من استبشر . والثاني : أنّ نفي الحزن ليس مقيدا ليكون أبلغ في البشارة ، والحال قيد فيه فيفوت هذا المعنى . قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجابُوا : فيه ستة أوجه : أحدها : أنه مبتدأ ، وخبره قوله : « لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ » . وقال مكيّ هنا : « وخبره « مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ » وهذا غلط لأنّ هذا ليس بمفيد البتة ، بل « مِنْ » متعلّق باستجابوا . والثاني : خبر مبتدأ مضمر أي : هم الذين . والثالث : أنه منصوب بإضمار « أعني » . وهذان الوجهان يشملهما قولك « القطع » . الرابع : أنه بدل من « الْمُؤْمِنِينَ » . الخامس : أنه بدل من « بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا » قاله مكي . السادس : أنه بدل من « الْمُؤْمِنِينَ » . ويجوز فيه وجه سابع : وهو أن يكون نعتا لقوله : « بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا » قياسا على جعله بدلا منهم عند مكي . و « ما » في « بَعْدِ ما أَصابَهُمُ » مصدرية ، و « لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا » خبر مقدم . و مِنْهُمْ فيه وجهان : أحدهما : أنه حال من الضمير في « أَحْسَنُوا » وعلى هذا ف « مِنْ » تكون تبعيضية . والثاني : أنها لبيان الجنس . قال الزمخشري : « مثلها في قوله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ « 1 » لأنّ الذين استجابوا قد أحسنوا كلّهم واتقوا لا بعضهم » . و « أَجْرٌ » مبتدأ مؤخر ، والجملة من هذا المبتدأ وخبره : إمّا مستأنفة أو حال إن لم نعرب الذين استجابوا مبتدأ ، وإمّا خبر إن أعربناه مبتدأ كما تقدّم تقريره . قوله تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ : فيه من الأوجه ما تقدم في « الَّذِينَ » قبله ، إلّا في رفعه بالابتداء . قوله : فَزادَهُمْ إِيماناً في فاعل « زاد » ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه ضمير يعود على المصدر المفهوم من « قالَ » أي : فزادهم القول بكيت وكيت إيمانا نحو : « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » « 2 » . والثاني : أنه يعود على المقول الذي هو « إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ » كأنه قيل : قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيمانا .

--> ( 1 ) سورة الفتح ، آية ( 29 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) .